في قلب مدينة أصفهان، وفي وسط حديقة فسيحة خضراء، تتفيأ ظلال أشجار الدلب والسرو العتيقة التي تلقي ظلالاً باردة ودائمة على الأرض، يقوم قصرٌ ليس مجرد صرح ملكي، بل هو «تحفة في التناسبات الذهبية»، و«سمفونية من الماء والمرآة»، ورمزٌ لذروة الفخامة والقوة والفن في الإمبراطورية الصفوية. ويُعدّ قصر چهلستون، بإيوانه الفخم ذي الأعمدة العشرين، الذي يخلق انعكاسه في الحوض المقابل صورةً أشبه بالحلم، وقاعة المرايا المبهرة التي تعكس الضوء مرات لا تحصى، ورسومه الجدارية الضخمة والمتعددة الألوان التي تروي تاريخ إيران، واحداً من أجمل النماذج وأكثرها تكاملاً لفن تشييد القصور الإيرانية، كما أنه مدرج ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو. ويمكن وصف چهلستون بأنه «سمفونية الماء والمرآة»؛ ذلك القصر الذي امتزجت فيه العمارة بالبستان الإيراني إلى حد تتلاشى معه الحدود بين ما صنعته يد الإنسان والطبيعة، فيدعو الزائر إلى عالم من الفخامة والفن والتاريخ والحلم.
تبدأ حكاية چهلستون بطموحات الشاه عباس الأول الصفوي الكبيرة. فبعد أن نقل الشاه عباس العاصمة من قزوين إلى أصفهان، أراد أن ينشئ مدينة لا تكون مجرد مركز سياسي، بل «نصف العالم» بأسره. وإلى جانب ميدان نقش جهان والمساجد الفخمة، كان بحاجة إلى قصر احتفالي لاستقبال السفراء والضيوف الأجانب، وإقامة المراسم الرسمية والاحتفالات الملكية. وقد شُيّد النواة الأولى لقصر چهلستون في عهد الشاه عباس الأول على هيئة كشك صغير وبسيط وسط حديقة فسيحة. أما البناء الفخم الذي نراه اليوم، فقد اكتمل في معظمه في عهد الشاه عباس الثاني، نحو عام 1647م، وبلغ أوج فخامته في تلك المرحلة. وكان الشاه عباس الثاني، الذي عُرف هو الآخر بحبه للفن واهتمامه بالعمارة، قد أضاف إلى البناء الإيوان ذي الأعمدة، وقاعة المرايا، والرسوم الجدارية، ليحوّله إلى واحد من أفخم القصور في العالم. وشهد هذا القصر على مر التاريخ أحداثاً مهمة، من بينها استقبال السفراء الأوروبيين، واحتفالات النوروز، وتوقيع المعاهدات السياسية. وفي العصر القاجاري، حظي چهلستون باهتمام ظلّ السلطان، حاكم أصفهان المستبد، وللأسف تعرّضت أجزاء منه للتخريب. غير أن أعمال ترميم واسعة أُجريت على هذا الصرح خلال العقود الأخيرة.
وأول عناصر چهلستون وأكثرها تميزاً هو «الإيوان ذو الأعمدة العشرين». ويضم هذا الإيوان ثمانية عشر عموداً خشبياً طويلاً ورشيقاً، وعمودين إضافيين يظهران في انعكاس الماء في الحوض المقابل، فيكتمل بذلك العدد أربعين. وقد أوجد هذا الإيوان فضاءً نصف مفتوح ومظللاً، ينفتح على الحديقة والحوض الكبير. وصُنعت الأعمدة من خشب الدلب، وهو خشب متين وخفيف في الوقت نفسه، ومناسب جداً للنحت والخراطة. ويبلغ ارتفاع كل عمود نحو 14 متراً، وقد نُحت وصُقل بمنتهى الدقة. ويستند كل عمود إلى قاعدة حجرية زُيّنت بنقوش إسليمية وهندسية، فيما أضفت تيجان الأعمدة المزينة بالمقرنصات مزيداً من الفخامة والرهافة على الإيوان. ويخلق انتظام المسافات بين الأعمدة إيقاعاً بصرياً آسراً، كما أن الوقوف بينها وتأمل الحديقة من خلال فراغاتها يمثل تجربة لا تُنسى. وقد غُطي سقف الإيوان برسوم هندسية وتشكيلات نباتية ملونة، نُفذت بألوان دافئة من الأحمر والأزرق والذهبي والأخضر، وتُعد من النماذج المتألقة لفنون الزخرفة في العصر الصفوي.
ويرمز الرقم «أربعون» في الثقافة الإيرانية الإسلامية إلى الكثرة والكمال، و«چهلستون» تعني قصراً كثير الأعمدة وفخمها. وكان هذا الإيوان المكان الذي يجلس فيه الشاه عباس وخلفاؤه على العرش، ويستقبلون السفراء والضيوف. أما انعكاس الأعمدة في مياه الحوض المقابل، فيخلق مشهداً حالماً لا يُنسى.
أما قاعة المرايا، أو «القاعة الرئيسية» لقصر چهلستون، فتقع خلف الإيوان، وهي الجوهرة المتلألئة للقصر. وقد زُيّنت هذه القاعة بأعمال مبهرة من المرايا، وزخارف جصية عميقة، ورسوم جدارية فخمة. وغُطي سقف القاعة بقطع من المرايا، كبيرة وصغيرة، تعكس ضوء الشموع والمصابيح مرات لا تحصى، فتخلق فضاءً متلألئاً وروحانياً. وفي وسط القاعة، يوجد حوض مصنوع من قطعة واحدة من الرخام، يضاعف انعكاس المرايا والرسوم ويعزز تأثيرها البصري.
وتُعدّ الرسوم الجدارية في چهلستون من أثمن كنوز الفن الإيراني. وتنتشر هذه الرسوم في القاعة الرئيسية والغرف الجانبية، وتروي مشاهد من تاريخ إيران. ومن أشهرها لوحة «استقبال الشاه عباس لولي محمد خان، والي تركستان»، التي تجسّد فخامة الشاه الصفوي وقوته. كما تصوّر لوحة «معركة جالدران» مشهد المعركة بين الجيش الصفوي والعثماني. وتُعدّ لوحة «مجلس بزم الشاه طهماسب مع همايون شاه الهندي» واحدة أخرى من روائع هذه المجموعة، إذ تعرض، بتفاصيل مبهرة للملابس والأواني والموسيقيين والراقصين، مشهداً من فخامة البلاط الصفوي. ومن اللوحات الكبيرة الأخرى في القاعة لوحة «معركة الشاه إسماعيل مع الأوزبك».
أما حديقة چهلستون، التي تبلغ مساحتها نحو 67 ألف متر مربع، فهي نموذج متكامل للبستان الإيراني وفق نمط «چهارباغ» أو البستان الرباعي. ويبلغ طول الحوض الكبير الواقع أمام الإيوان 110 أمتار، وعرضه 16 متراً، وتنعكس فيه صورة القصر. وكانت مياه الحديقة تُزوّد عبر «المادي»، وهي قنوات مائية تتفرع من نهر زاينده رود، وكانت المياه تجري، بفضل الانحدار الطبيعي للأرض، في الجداول والنوافير من دون الحاجة إلى أي مضخات. وقد خلقت أشجار الدلب والسرو والصنوبر العتيقة، والجداول الجارية، والنوافير العديدة، فضاءً هادئاً آسراً باعثاً على الراحة والسكينة.
ويمثل قصر چهلستون بالنسبة إلى المعماريين والمصممين المعاصرين درساً خالداً في «التناسبات الذهبية»، و«دمج العمارة بالماء والبستان»، و«أهمية الانعكاس والضوء في التصميم»، و«خلق الفضاءات الاحتفالية والفخمة». ولا يزال قصر چهلستون، هذه السمفونية من الماء والمرآة، يتلألأ في قلب أصفهان، ويروي، في همسٍ عميق، حكاية فخامة الصفويين وفنهم وحلمهم بالجنة.