الهندسه المعمارية

بندرعباس مدينة بوابة الخليج العربي؛ العمارة في المناخ الحار والرطب لجنوب إيران

تقدّم بندرعباس للمعماريين ومخططي المدن المعاصرين دروسًا قيّمة في التصميم الملائم للمناخ الحار والرطب، وأهمية التهوية الطبيعية وتدفّق الهواء، ومزج التأثيرات الثقافية المتنوعة في العمارة، واستخدام المواد المحلية مثل الحجر والخشب. وتُظهر هذه المدينة كيف يمكن لميناء تجاري أن يحتضن، على امتداد قرون، ثقافات وشعوبًا مختلفة، وأن يستلهم من هذا التنوع عمارةً غنية وفريدة تجمع بين الكفاءة والتميّز.

 

 

على السواحل الفيروزية للخليج العربي، حيث تلتقي المياه الدافئة للجنوب بالأراضي الإيرانية الشاسعة التي تلفحها الشمس، تقع مدينة ارتبط تاريخها بالبحر والتجارة البحرية والتبادل الثقافي بين حضارات شتى. فبندرعباس، عاصمة محافظة هرمزغان وأهم موانئ إيران وأكثرها أهمية استراتيجية على سواحل الخليج العربي، مدينة تجسّد عمارتها استجابة ذكية ومبتكرة، تتلاءم تمامًا مع المناخ الحار والرطب والشاق في جنوب إيران. ولعلّ من الأنسب أن تُسمّى «مدينة بوابة الخليج العربي» أو «مدينة أبراج الرياح الجنوبية القصيرة»؛ ففيها أسهمت أبراج الرياح القصيرة رباعية الاتجاهات، والشناشير الخشبية المشبكة الآسرة، والأفنية شبه المفتوحة التي تتوسطها أحواض المياه الصافية، في خلق بيئة مريحة نسبيًا للتعايش مع الحرارة والرطوبة. كما امتزجت التأثيرات الثقافية الهندية والأفريقية والعربية والإيرانية في نسيج عمارتها امتزاجًا عميقًا، أفضى إلى نشوء لغة معمارية جديدة، منفتحة على العالم وفريدة من نوعها.

ترتبط حكاية بندرعباس بموقعها الاستراتيجي الفريد عند مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية وأكثرها حيوية في العالم. وقد عُرفت المدينة في العصور القديمة باسم «هرمزية»، ثم اشتهرت لاحقًا باسم «جرون»، وشهدت على امتداد تاريخها الحافل بالتحولات مرور أعداد لا تحصى من السفن التجارية والرحالة المغامرين والغزاة الطامحين إلى السلطة. ففي القرن السادس عشر الميلادي، سيطر البرتغاليون على هذه المنطقة الاستراتيجية، وشيدوا قلعة حصينة في جزيرة هرمز. لكن الشاه عباس الأول الصفوي، وبمساعدة الإنجليز، تمكّن في أوائل القرن السابع عشر من طرد البرتغاليين، وأسس بندرعباس لتكون الميناء الرئيسي وبوابة التجارة البحرية الإيرانية على الخليج العربي. ومنذ ذلك العهد، حملت المدينة اسم «بندرعباس» تكريمًا للشاه عباس. وسرعان ما تحولت إلى أحد أهم مراكز التجارة البحرية وأكثرها ازدهارًا في الخليج العربي بأسره، واستقر فيها تجار هنود وعرب وأرمن ويهود، بل وأوروبيون أيضًا، وأنشأوا أحياء خاصة بهم. وقد جعل هذا التنوع القومي والثقافي والديني من بندرعباس مدينة عالمية متعددة الألوان، نابضة بالحياة، وحوّل عمارتها إلى مزيج غني وفريد ومتعدد الطبقات من التقاليد المختلفة.

تُعدّ العمارة في بندرعباس، قبل كل شيء، استجابة ذكية وفعالة لما يُعرف بـ«المناخ الحار والرطب». فالصيف في هذه المدينة شديد الحرارة والرطوبة، وقد تصل نسبة الرطوبة النسبية أحيانًا إلى 90 في المئة. وفي ظل هذه الظروف، يتمثل الهدف الأساسي للعمارة في ضمان حركة الهواء باستمرار والحد من الرطوبة. وتختلف أبراج الرياح في بندرعباس عن أبراج الرياح الطويلة والمرتفعة، مثل تلك الموجودة في المناطق الصحراوية الإيرانية كيزد وكرمان؛ إذ إنها أقصر وأعرض، وغالبًا ما تكون رباعية الاتجاهات. وتُشيّد هذه الأبراج عادة فوق أسطح المنازل والقصور، فتلتقط الرياح من أي جهة هبّت منها، وتوجّهها إلى داخل المساحات السكنية. وفي المناخ الرطب، صُممت أبراج الرياح أساسًا لتحريك الهواء وتقليل الإحساس بالرطوبة، لا للتبريد وحده؛ لأن تبخر الماء في الهواء المشبع بالرطوبة يكون بطيئًا ومحدود الفاعلية. ولهذا السبب، ترتبط أبراج الرياح في بندرعباس مباشرة بالمساحات السكنية في الغالب، بخلاف أبراج الرياح في يزد التي كثيرًا ما توجّه الهواء نحو أحواض المياه.

أما الشناشير، فهي العنصر الثاني الأبرز والأكثر رمزية في عمارة بندرعباس. وهي شرفات أو أروقة خشبية جميلة ومشبكة، تُقام في الطوابق العليا من المباني، وتطل على الشوارع والأزقة أو البحر. وقد صُنعت هذه المنشآت الخشبية، في العادة، من خشب الساج المتين المستورد من الهند، أو من أنواع الأخشاب المحلية المقاومة للعوامل المناخية، وزُيّنت بنقوش هندسية معقدة، وزخارف نباتية دقيقة، وتكوينات شبكية متقنة تخطف الأنظار. وتسمح الشناشير لنسيم البحر بالتسلل إلى داخل المنازل، كما توفر ظلالًا باردة ومريحة تخفف من وطأة الحر الشديد في الجنوب. وإلى جانب وظيفتها المناخية، تعيد هذه المساحات شبه المفتوحة وشبه العامة رسم الحدود بين خصوصية المنزل والفضاء العام للشارع بطريقة دقيقة، إذ تتيح للسكان مشاهدة المدينة والبحر من خلف الشبكات الخشبية.

ولا يزال النسيج العمراني التاريخي لبندرعباس ظاهرًا في أحيائها القديمة، مثل «سورو» و«بشت شهر». وتتميز هذه الأحياء بأزقتها الضيقة المتعرجة، ومنازلها ذات الأفنية شبه المفتوحة وأحواض المياه، وجدرانها السميكة المبنية من الحجر والطين، لتقدم نموذجًا للعمارة المحلية في جنوب إيران. وتضم المنازل التاريخية في بندرعباس عادة فناءً مركزيًا يتوسطه حوض ماء، وتحيط به الغرف من مختلف الجهات. أما النوافذ الكبيرة والمتعددة، فتسمح بمرور الهواء عبر أرجاء المنزل، في حين تشكل الجدران السميكة عازلًا يحمي الداخل من الحرارة الخارجية. وكانت الأسقف تُشيّد مرتفعة في الغالب، بحيث يرتفع الهواء الساخن إلى الأعلى ويخرج عبر فتحات السقف.

ومن أكثر معالم بندرعباس تميزًا وإثارة للدهشة المعبد الهندوسي، المعروف باسم «بِت گوران». يقع هذا المعبد في وسط المدينة، بالقرب من السوق الكبير، وقد شُيّد في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي على يد تجار هنود كانوا يقيمون في بندرعباس. وتُعدّ قبته وزخارفه الجصية وجدارياته نموذجًا نادرًا للعمارة الهندية في إيران، وشاهدًا على التفاعل الثقافي والفني بين البلدين.

 

ويُعدّ السوق الكبير في بندرعباس، المعروف أيضًا باسم «سوق الأوزيّين»، من أبرز معالم المدينة. وقد تشكّل هذا السوق خلال العصرين الصفوي والقاجاري، ولا يزال، بما يضمه من ممرات تجارية متعددة ودكاكين تقليدية وأقواس آجُرية، شريانًا نابضًا بالتجارة والحياة اليومية في المدينة.

وتقدّم بندرعباس للمعماريين ومخططي المدن المعاصرين دروسًا قيّمة في التصميم الملائم للمناخ الحار والرطب، وأهمية التهوية الطبيعية وتدفّق الهواء، ومزج التأثيرات الثقافية المتنوعة في العمارة، واستخدام المواد المحلية مثل الحجر والخشب. وتُظهر هذه المدينة كيف يمكن لميناء تجاري أن يحتضن، على امتداد قرون، ثقافات وشعوبًا مختلفة، وأن يستلهم من هذا التنوع عمارةً غنية وفريدة وفعّالة.

ولا تزال بندرعباس، مدينة بوابة الخليج العربي، تروي بهمس، في ظلال أبراج الرياح ووسط النسائم التي تعبر شناشيرها الخشبية، حكاية التعايش والتجارة والتاريخ الحافل بالتحولات في جنوب إيران.