يقوم المنطق الحاكم لكتاب سيری در نهج البلاغة على إزالة الألفة عن «الصورة الشائعة» لـ نهج البلاغة. ويكتب مرتضى مطهري في هذا الكتاب أنّ اسم نهج البلاغة كان، بعد القرآن الكريم، أكثر اسم كتاب تردد على سمعه، ثم يعترف قائلًا: «أعترف أنّني، مثل سائر طلاب الحوزة وأقراني، كنت غريبًا عن عالم نهج البلاغة».
وفي هذا الكتاب يشرح الشهيد مطهري رسائل نهج البلاغة لعامة الناس، ويحاول تعريف المجتمع بهذا الأثر العظيم بصورة أعمق. وتتألف موضوعات الكتاب من سبعة محاور رئيسية هي: «كتاب مدهش»، و«الإلهيات وما وراء الطبيعة»، و«السلوك والعبادة»، و«الحكومة والعدالة»، و«أهل البيت والخلافة»، و«الموعظة والحكمة»، و«الدنيا والدنياپرستي».
وكان الشهيد مطهري قد طرح هذه المضامين أولًا في سلسلة محاضرات ألقاها في حسينية الإرشاد، ثم نُشرت لاحقًا في مجلة درسهایی از مکتب اسلام على شكل مقالات متفرقة. وفي عام 1974م جُمعت هذه المحاضرات ونُظمت في كتاب شامل بعنوان «سيری در نهج البلاغة». وقد أُعيد طبع الكتاب أكثر من سبعين مرة، وتُرجم إلى العربية والتركية الأذرية والأردية والإنجليزية والروسية، كما أُتيحت له نسخة صوتية متداولة بين القراء.
رحلة إلى أصفهان
كانت رحلة الشهيد مطهري إلى أصفهان وحضوره دروس نهج البلاغة عند آية الله علي الشيرازي الأصفهاني الشرارة الأولى لاهتمامه البحثي بنهج البلاغة. ويوضح في مقدمة الكتاب أنّه أدرك خلال تلك الدروس أنّه، رغم سماعه باسم نهج البلاغة منذ طفولته، لا يزال غريبًا عن حقيقته، وأنّ العالم الروحي الذي بناه لنفسه يختلف عن عالم نهج البلاغة.
ويؤكد أنّ المشكلة لا تخصه وحده، بل إنّ المجتمع الإسلامي بأسره لا يعرف هذا الكتاب معرفة حقيقية، وأنّ روحه ومضمونه ما يزالان خفيين على كثيرين. ولذلك حاول في «سيری در نهج البلاغة» أن يقدّم هذه الروح والمضامين مباشرةً إلى القارئ من دون وسائط. كما عدّ «التعمق في محتوى نهج البلاغة» و«التحقيق في أسانيده ومصادره» من الضرورات الفكرية المعاصرة.
وكان المشروع الأولي للكتاب يضم أكثر من أربعة عشر فصلًا، غير أنّ انشغال المؤلف بأعمال أخرى حال دون إتمامه، فاكتفى بإنجاز سبعة أقسام فقط، وبقي المشروع الأصلي ناقصًا.
الانتقادات
وُجّهت إلى الكتاب بعض الانتقادات أيضًا. فقد رأى علي خامنئي أنّ تقسيم الكتاب للموضوعات ليس شاملًا، وقال في خطاب ألقاه عام 1980م إنّ الشهيد مطهري لم يقم بتقسيم نهج البلاغة تقسيمًا كاملًا، بل اختار موضوعات محددة وتجول بينها، موضحًا فهمه الخاص للنصوص وربطها بالمصادر الفكرية الإسلامية الأخرى، وهو ما يُعد نوعًا من التصنيف غير الكامل.
أما حسين هاشم نجاد فقد وصف «سيری در نهج البلاغة» بأنّه أفضل كتاب متوافر للتعرف على نهج البلاغة وبناء المجتمع المنشود، لكنه رأى في الوقت نفسه أنّ لغة الفصلين الأوسطين شديدة الصعوبة، إلى درجة أنّ فهمها يحتاج إلى مستوى طلاب الدكتوراه في الفلسفة.
نقد الشهيد مطهري لكتابه
وكما هي عادته في النقد الذاتي، يصف الشهيد مطهري كتابه بأنّه مجرد «جولة» أو «نظرة» في نهج البلاغة، ولا يرقى إلى مستوى البحث التحقيقي الكامل. فالبحث الحقيقي ـ بحسب رأيه ـ يحتاج إلى عمل جماعي يهدف إلى فهم عميق ودقيق لمحتوى نهج البلاغة ولمدرسة الإمام علي بن أبي طالب، كما يحتاج إلى دراسة الأسانيد والمصادر، وهو أمر يفوق قدرة الفرد الواحد.
ويعترف المؤلف قبل غيره بأنّ الكتاب غير جامع لجميع موضوعات نهج البلاغة. ومع ذلك، فإنه يتناول قضايا متعددة، منها التوحيد والعقائد، والعبادة، والزهد والتقوى، ومعنى التعلق بالدنيا والتحرر منها، والعدالة، وجوانب من سيرة المعصومين(ع)، إضافة إلى مباحث في معرفة الإنسان.
كما قامت أمانة مشروع «بينش مطهر» بإصدار كتاب تعليمي بعنوان نهجی به نهج البلاغة بقلم سيد محمد صالح هاشمي گلپايگاني، قُدِّم فيه كتاب «سيری در نهج البلاغة» ضمن اثنين وعشرين درسًا، مع برنامج زمني للمطالعة والمباحثة والتدريس.